عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

507

اللباب في علوم الكتاب

نستغفره ، ولا يعذب اللّه أمة ونبيها معها ، فقال اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم يذكّره جهالتهم وغرتهم قال : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [ الأنفال : 32 ] الآية وقال وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفال : 33 ] ثم قال ردّا عليهم وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وإن كنت بين أظهرهم ، وإن كانوا يستغفرون وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . وقال آخرون : هذا الكلام مستأنف يقول اللّه إخبارا عن نفسه : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ » واختلفوا في تأويلها . فقال الضحاك ، وجماعة : تأويلها : وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم ، قالوا : نزلت هذه الآية على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو مقيم بمكّة ثمّ خرج من بين أظهرهم وبقيت بها بقيّة من المسلمين يستغفرون اللّه ؛ فأنزل اللّه وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ثم خرج أولئك من بينهم فعذّبوا وأذن اللّه في فتح مكّة ، وهو العذاب الأليم الذي وعدهم اللّه » « 1 » . قال ابن عباس « لم يعذّب اللّه قرية حتى يخرج النبي منها ، والذين آمنوا ويلحق بحيث أمر » « 2 » . قال أبو موسى الأشعريّ : كان فيكم أمانان : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » فأمّا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقد مضى ، والاستغفار كائن فيكم إلى يوم القيامة « 3 » . فإن قيل : لمّا كان حضوره مانعا من نزول العذاب بهم ، فكيف قال : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [ التوبة : 14 ] ؟ . فالجواب : المراد من الأوّل عذاب الاستئصال ، ومن الثاني : العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 236 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 134 ) وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 246 ) عن ابن عباس . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 234 ) عن أبي موسى وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 246 ) . وقد ورد هذا مرفوعا من حديث أبي موسى . أخرجه الترمذي ( 65 / 252 ) كتاب التفسير حديث ( 3082 ) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة عن أبيه مرفوعا . وقال الترمذي : هذا حديث غريب وإسماعيل بن مهاجر يضعف في الحديث . قلت : وأثر أبي موسى الموقوف له شواهد عن أبي هريرة وابن عباس . أثر أبي هريرة : أخرجه الحاكم ( 1 / 245 ) والبيهقي في « شهب الإيمان » رقم ( 654 ) وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وقد اتفقا على أن تفسير الصحابي حديث مسند ووافقه الذهبي . أثر ابن عباس : أخرجه البيهقي في « شعب الإيمان » رقم ( 655 ) .